ابن عجيبة
637
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال المحشى الفاسي : وحاصل ما أشار إليه : أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد ، والسكون إليه ، غيبة في الحق عن مقتضى وعده ، لا تكذيبا لوعده ، بل ذلك أحوال غالبة آخذة عن الصفة ، غيبة في الموصوف . وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله . وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية ؛ فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد ، وإن كان غائبا عنه . وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم : من أن ظن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدم القطع لوقوع الوعد . واللّه أعلم . وقد قال في الحكم : « لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود ، وإن تعين زمنه » . يعنى أنه قد يتخلف لفقد شرط ؛ كما في قضية الجرو الذي تخلف جبريل من أجله . أو لعدم تحقيق الوقت ؛ لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي ، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم . واللّه تعالى أعلم . ه . والحاصل : أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد ؛ خوفا أن يكون متوقفا على شرط لم يعلموه ، أو جعلوا له وقتا فهموه من أمارات ، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف . وأما قضية الجرو الذي أشار إليها : فكان جبريل عليه السّلام وعد نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتيه في وقت مخصوص ، فدخل جرو البيت ، فلم ينزل في ذلك الوقت ، فلما نزل بعد ذلك ، قال : « إنما تخلّفنا عن الوقت ؛ لأنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب » « 1 » . كما في الصحيح . ثم قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 111 ] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي : في قصص الأنبياء وأممهم ، أو في قصة يوسف وإخوته ، عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ : لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة ، ومن الركون إلى الحس ؛ لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص . ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى أي : ما كان القرآن حديثا مفترى ، وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدارين ؛ إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط ، أو بغير وسط . وَهُدىً من الضلال ، وَرَحْمَةً ينال بها خير الدارين ، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ : يصدقون به ، ويتدبرون في معانيه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( كتاب اللباس / باب : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ) .